محمد الريشهري

154

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

الطريق ، ويُرشِدكم السبيل ؟ ألا إنّه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلاً ، وأقبل منها ما كان مدبراً ، وأزمع ( 1 ) التَّرحال عبادَ الله الأخيار ، وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى . ما ضرَّ إخواننا الذين سُفِكت دماؤهم وهم بصفّين ألاّ يكونوا اليوم أحياء ؟ يُسيغون الغُصَص ويشربون الرَّنْق ( 2 ) . قد - والله - لقُوا الله فوفّاهم أُجورهم ، وأحلّهم دار الأمن بعد خوفهم . أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضَوا على الحقّ ؟ أين عمّار ؟ وأين ابن التَّيِّهان ؟ وأين ذو الشهادتين ؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنيّة ، وأُبرد برؤوسهم إلى الفَجَرة . قال : ثمّ ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة فأطال البكاء ، ثمّ قال ( عليه السلام ) : أوِّهْ على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه ، وتدبّروا الفرض فأقاموه ، أحيَوا السُّنَّة وأماتوا البدعة . دُعُوا للجهاد فأجابوا ، ووثِقوا بالقائد فاتّبعوه . ثمّ نادى بأعلى صوته : الجهادَ الجهادَ عباد الله ! ألا وإنّي معسكر في يومي هذا ؛ فمن أراد الرواحَ إلى الله فليخرج ! قال نَوْف : وعقد للحسين ( عليه السلام ) في عشرة آلاف ، ولقيس بن سعد في عشرة آلاف ، ولأبي أيّوب الأنصاري في عشرة آلاف ، ولغيرهم على أعداد أُخر وهو يريد الرجعة إلى صفّين ، فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله ، فتراجعت العساكر ، فكنّا كأغنام فقدت راعيها تختطفها الذئاب من كلّ مكان ( 3 ) .

--> ( 1 ) أزمع : عدا وخفّ ( لسان العرب : 8 / 143 ) . ( 2 ) ماٌ رَنْق : كَدِرٌ ( لسان العرب : 10 / 127 ) . ( 3 ) نهج البلاغة : الخطبة 182 ، بحار الأنوار : 4 / 313 / 40 .